حسن بن موسى القادري

19

شرح حكم الشيخ الأكبر

فوجوده تعالى بذاته ، وصفاته كلها قائمة بذاته كوجود العالم كله علوه وسفله به ، وقائم بقيوميته ، وتدلّ أيضا على بهائه وبلائه لأنبيائه وأحبائه ، وفيها وجوه متعددة من الاستعانة والإلصاق ، والملابسة والتبعيض ، والظرفية والسببية كلها تعطي البقاء . ولذا قال الشيخ قدّس سرّه : فيها دعوى من حيث بقاء الرسم ، ولا تعطي الفناء مثل اللام فإذا قلت : « كتبت بالقلم » ، فقد أثبت نفسك كاتبا واستعنت على الكتابة بالقلم ، فالأشياء كلها ظهرت باستعانة الباء ، وهو السبب الذي عنه وجدت ومنه ظهرت وفيه بطنت ، وإليه إشارة الشبلي قدّس سرّه لمّا قيل له : أنت الشبلي فقال : أنا النّقطة التي تحت الباء ، وتعطي الإلصاق أيضا كما في « مررت بالمسجد » ، فكما قال اللّه تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] ، فألصق الذهاب بالنور كإلصاق المرور بالمسجد ، والنور هو الباء والباء نور السماوات والأرض وهو الحق الذي قامت به ، وتعطي الظرفية كما في « صليت بالمسجد » . وكنا صادرون من فوقها ، وكنا موجودين فيها قبل وجود أعياننا ، وأمّا إعطائها التبعيض ؛ فلأن الذات وإن كانت واحدة لها وجهان الغيب والشهادة ، والظهور والبطون ، والأول والآخر وغير ذلك ، وكل من هذين الوجهين يصح أن يقال : أنّه بعض الذات ، فإن كشف الذات من حيث الشهادة لا من حيث الغيب ، والعلم بها من حيث الغيب لا من حيث الشهادة ، فلا يعاين من الذات إلا الوجه الواحد الذي يدلّ عليه الذي ظهر عليه ، ويغيب عنه الوجه الآخر ، فلا يشهد شاهد إلا بعض الذات بهذا الاعتبار ، وتكون الباء زائدة كما في كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [ النساء : 79 ] . وأمّا فيما نحن بصدده ؛ فلأنه يستحيل مؤثر بين مؤثرين لا مقدور بين قادرين ، فالقدرة القديمة لها الأثر بالبرهان ، والحادثة لا أثر لها بالدليل الرّاجح والعيان ، فإذا وجد أثر في الشاهد عند القدرة الحادثة فالعقل يحكم أنها قدرة صحيحة ثابتة عينها ، وأن الأثر وقع عندها لا بها ، وأن القدرة القديمة هي التي لها هذا الأثر . فالباء ليس لها أثر ، وعينها ثابتة لكنها زائدة في حضرة الفعل ، ولذا صارت النقطة عين التوحيد الحاجز بين الكون ، والباء يمنع الكون من الشركة والدعوى فيبقى التوحيد معصوما محفوظا في الخلق ، فلو كان الأثر للباء لما كانت النقطة ، فالأثر للنقطة والباء زائدة لكن الأثر عند الباء فما من شيء إلا والباء عنده فما من شيء إلا ونقطة الباء فيه ، وفي